المحرر موضوع: هل يجوز التبرك بأضرحة الأولياء والصالحون والتوسل بهم في الدعاء؟  (زيارة 21 مرات)

مستشار

  • Sr. Member
  • ****
  • مشاركة: 279
    • مشاهدة الملف الشخصي
لديّ سؤال، وأرغب في معرفة الحكم الشرعي فيه -إذا تفضلتم- هل يجوز التبرك بأضرحة الأولياء والصالحون والتوسل بهم في الدعاء ؟ كما يفعل الكثيرون؛ بل أن أحدهم يقول: يا شيخ فلان اشف لي ابني !

الـجـــواب
١- التوسل هو طلب الوسيلة، والوسيلة هي ما يتقرب به إلى الشيء يقال توسل إلى ربه أي تقرب إليه، قال العلامة الفيومي في المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (٢/ ٦٦٠ ط المكتبة العلمية - بيروت) :[(وس ل): وسلت إلى الله بالعمل أسل من باب وعد رغبت وتقربت ومنه اشتقاق الوسيلة وهي ما يتقرب به إلى الشيء والجمع الوسائل والوسيل قيل جمع وسيلة وقيل لغة فيها وتوسل إلى ربه بوسيلة تقرب إليه بعمل].

٢- التبرك هو طلب البركة، والبركة هى الزيادة والنماء، قال العلامة الفيومي في المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٤٥ ط المكتبة العلمية - بيروت): [والبركة الزيادة والنماء وبارك الله تعالى فيه فهو مبارك والأصل مبارك فيه وجمع جمع ما لا يعقل بالألف والتاء ومنه التحيات المباركات والبركان على فعلان بتشديد العين كساء معروف وهذه لغة منقولة عن الفراء وربما قيل بركاني على النسبة أيضا والأشهر فيه برنكان على فعللان وزان عفران وعسقلان وتقدم في أول الباب].

٣- التوسل قد يكون بالعمل الصالح، وقد يكون بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقد يكون بالصالحين، والتوسل بجميع ذلك جائز شرعًا.

٤- التبرك بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وبآثاره، وبالصالحين وآثارهم جائز شرعًا، وقد دلت النصوص الشرعية على ذلك، ودل كذلك فعل السلف الصالح على جوازه.

٥- الوسيلة مأمور بها شرعًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: ٣٥]، وأثنى سبحانه على من يتوسلون إليه في دعائهم فقال تعالى : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: ٥٧]، ويدخل في معنى الوسيلة تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم والملتزم تعظيمًا لما عظمه الله من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الآخر تعظيمًا لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب إلى الله بحب الأنبياء والأولياء والصالحين تعظيمًا لمن عظمه الله من الأشخاص، ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيمًا لما عظّمه الله من الأحوال.. وهكذا، وكل ذلك داخل في قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} [الحج: ٣٢].

أما الشرك فهو صرف شيء من العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى، حتى ولو كان ذلك بغرض التقرب إلى الله كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر: ٣]، وإنما قلنا: "على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى" لإخراج كل ما خالف العبادة في مسماها وإن وافقها في ظاهر اسمها؛ فالدعاء قد يكون عبادة للمَدْعُوّ {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا} [النساء: ١١٧] وقد لا يكون {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: ٦٣]، والسؤال قد يكون عبادة للمسئول {وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: ٣٢] وقد لا يكون {ِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: ٢٥]، والاستعانة قد تكون عبادة للمستعان به {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥] وقد لا تكون {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: ٤٥]، والحب قد يكون عبادة للمحبوب وقد لا يكون؛ كما جمع النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ذلك في قوله: «أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي» رواه الترمذي وصححه الحاكم.. وهكذا، أي أن الشرك إنما يكون في التعظيم الذي هو كتعظيم الله تعالى كما قال عز وجل: {فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢٢] وكما قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًا للهِ} [البقرة: ١٦٥].

وبذلك يتبين لنا فصل ما بين الوسيلة والشرك؛ "فالوسيلة" نعظم فيها ما عظمه الله، أي أنها تعظيم بالله، والتعظيم بالله تعظيم لله تعالى كما قال جل جلاله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} [الحج: ٣٢]، أمـا "الشرك" فهو تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله؛ ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا وكان سجود المشركين للأصنام كفرًا وشركًا مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لمّا كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لما عظمه الله كما أمر الله كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا يستحق فاعله العقاب. وعلى هذا الأصل في الفرق بين الوسيلة والشرك بنى جماعة من أهل العلم قولهم بجواز الحلف بما هو معظم في الشرع كالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، والإسلام، والكعبة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أحد قوليه؛ حيث أجاز الحلف بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم معللا ذلك بأنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أحد ركني الشهـادة التي لا تتم إلا به؛ وذلك لأنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى، بل تعظيمه بتعظيم الله له، وحمل هؤلاء أحاديث النهي عن الحلف بغير الله على ما كان من ذلك متضمنًا للمضاهاة بالله، بينما يرى جمهور العلماء المنع من ذلك أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله. وفي بيان مأخذ الأولين وترجيحه يقول ابن المنذر رحمه الله تعالى: [اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي مَعْنَى النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ الله، فَقَالَتْ طَائِفَة: هُوَ خَاصّ بِالْأَيْمَانِ الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَحْلِفُونَ بِهِ تَعْظِيمًا لِغَيْرِ الله تَعَالَى كَاللاتِ وَالْعُزَّى وَالآبَاء، فَهَذِهِ يَأْثَم الْحَالِف بِهَا وَلا كَفَّارَة فِيهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ يَؤُولُ إِلَى تَعْظِيم الله كَقَوْلِهِ: وَحَقّ النَّبِيّ، وَالإِسْلام، وَالْحَجّ، وَالْعُمْرَة، وَالْهَدْي، وَالصَّدَقَة، وَالْعِتْق، وَنَحْوهَا مِمَّا يُرَاد بِهِ تَعْظِيم الله وَالْقُرْبَة إِلَيْهِ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْي، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْد وَطَائِفَة مِمَّنْ لَقِينَاهُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَة مِنْ إِيجَابهمْ عَلَى الْحَالِف بِالْعِتْقِ وَالْهَدْي وَالصَّدَقَة مَا أَوْجَبُوهُ مَعَ كَوْنهمْ رَأَوْا النَّهْي الْمَذْكُور، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدهمْ لَيْسَ عَلَى عُمُومه؛ إِذْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَنهوا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا] اهـ نقلًا من "فتح الباري" لابن حجر (١١/٥٣٥). فإذا ما حصل بعد ذلك خلاف في بعض أنواع الوسيلة كالتوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم مثلًا أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يشرع كونه وسيلة كالسجود للقبر فإنه لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الكفر والشرك؛ لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله، والله تعالى يقول: {أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: ٣٥–٣٦].

وهناك فارق أيضًا ما بين اعتقادِ كون الشيء سببًا واعتقادِه خالقًا ومؤثرًا بنفسه تمامًا، كاعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سبب في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه، فإذا رأينا مسلمًا يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعًا أو ضرًّا من غير الله فإنه يجب علينا قطعًا أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق؛ لما نعلمه من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع أو يضر بإذن الله، ويبقى الكلام بعد ذلك في صحة كون هذا المخلوق أو ذاك سببًا من عدمه.

إذا ما تقرر ما سبق فإنه يجب علينا استحضار ذلك في الكلام على حكم الاستغاثة بالأنبياء والصالحين، فإذا علمنا أننا نتكلم في أفعالٍ تصدر من مسلمين، وأن هؤلاء المسلمين يخاطبون هؤلاء الأنبياء أو الأولياء تصديقًا وإيمانًا بصلاحهم وقربهم من الله تعالى، وأن حب هؤلاء وسيلة يتقرب بها المسلم إلى ربه وأن هؤلاء المنتقلين في حياة أرقى من الحياة الدنيا، وأن زيارة القبور عمل صالح يتقرب ويتوسل به المسلم إلى الله تعالى، إذا علمنا ذلك كله فإنه يتبين لنا بجلاء أنه لا مدخل للشرك ولا للكفر في الكلام على هذه المسألة وأمثالها في قليل ولا كثير أو من قَبِيل أو دَبِيـر. وأما عدم الاستغاثة بهم فليست إثما، إنما الأمر حيث يجد المسلم قلبه، وحسب الحال التي يكون عليها، والصواب في ذلك ترك الناس على سجاياهم؛ يفعل المسلم منها ما يستشعر عنده حضور القلب والخشوع.

بل إذا تعلقت الاستغاثة بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا يسع أي مسلم أن ينكرها؛ لقول الله تعالى في خصوص شأنه صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: ٦٤]، وهذا الحكم ماضٍ إلى يوم الدين بإجماع المسلمين.

واقرأ أيضًا: هل الأغاني والموسيقى حرام ؟

المصدر: دار الإفتاء المصرية