المحرر موضوع: حكم شراء هاتف بالقسط  (زيارة 29 مرات)

إنسان حر

  • Hero Member
  • *****
  • مشاركة: 547
    • مشاهدة الملف الشخصي

حكم شراء هاتف بالقسط

« في: تـمـوز 27, 2021, 03:01:24 مسائاً »
هل شرائي هاتف بالقسط من سيدة تعمل في مجال البيع والشراء بالقسط؛ وتضع فائدة ربح لها؛ حرام أم حلال ؟

الـجـــواب
يجوز ذلك فالأصل أن البيع بالتقسيط مع الاتفاق على زيادة معينة في الثمن جائز، ولا مانع منه شرعا، وللمتبايعين أن يتراضيا على ما شاءا من المقدم والدفعات والفترات، ومن المحظور في هذه الصفقة ثلاثة أشياء:

[المحظور الأول]: عدم الاتفاق بشكل جازم على نظام البيع، فلا يصح أن يخير البائع المشتري بين أن يدفع الثمن عاجلا بمقدار ما (فوري) وبين أن يدفعه آجلا بمقدار زائد (تقسيط)، ثم يتفقا على أن يظل هذا التخيير مستمرا بعد انعقاد البيع، فهذا لا يجوز ولا يصح، ولا بد من الجزم والالتزام بنظام واحد منهما؛ وإلا كان ذلك بيعتين في بيعة، وهو أمر محرم منهي عنه.

[المحظور الثاني]: "غرامة التأخير"

فما يُعرف بغرامة التأخير أو عِوَض التأخير والذي يكون فيه المَدِين في حال تأخره عن السداد في الموعد المُتَّفَق عليه مُلزَمًا بأداء شيء مِن المال للدائن فإنه لا يجوز؛ لأنه مبنيٌّ على الزيادة في المال مقابل الزيادة في وقت السداد، وهو ربا النسيئة الذي كان مُشتَهَرًا عند العَرَب، ونَزَل القرآن بالنهي عنه.

قال الإمام القرطبي في تفسيره [3/ 348، ط. دار الشعب]: "وغالبه -أي الربا- ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم: "أتقضي أُم تُرْبِي؟ "، فكان الغريم يزيد في عَدَد المال ويصبر الطالبُ عليه، وهذا كله مُحَرَّمٌ باتِّفاق الأُمة" اهـ.

[المحظور الثالث]:
الوقوع في شرط "ضع وتعجل"

ومعناه اشتراط إسقاط جزء من الدين مقابل تعجيل بعضه، وهذا لا يجوز عند الأئمة الأربعة وغيرهم؛لما فيه من الربا.

وقد اختَلف الفقهاء في ذلك: فذهب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلى المنع، وهو المَشهور عن الإمام أحمَد؛ لأنه يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالًّا، وهو ربا، كما في الدين الحال لو زاده في المال ليؤجله.

قال العلامة السرخسي الحنفي في "المبسوط" (13/ 126، ط. دار المعرفة): [وإذا كان لرجلٍ على رجلٍ دينٌ إلى أجلٍ وهو من ثمنِ مبيعٍ فحط عنه شيئًا على أن يعجل له ما بقي فلا خير فيه، ولكن يرد ما أخذ والمال كله إلى أَجَلِهِ، وهو مذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يُجَوِّز ذلك، ولسنا نأخذ بقوله؛ لأن هذا مقابلة الأجل بالدراهم، ومقابلةُ الأجل بالدراهم ربا، ألَا ترى أن في الدَّين الحالّ لو زاده في المال ليؤجله لم يجز، فكذلك في المؤجل إذا حط عنه البعض ليعجل له ما بقي] اهـ.

وقال العلامة الكمال ابن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (8/ 426، ط. دار الفكر): [(ولو كانت له ألفٌ مؤجلةٌ فصالحه على خمسمائةٍ حالّةٍ لم يجز) لأن المعجل خير من المؤجل، وهو غير مستحق بالعقد؛ فيكون بإزاء ما حطه عنه، وذلك اعتياضٌ عن الأجل وهو حرام] اهـ.

وقال الإمام ابن عبد البر في "الكافي في فقه أهل المدينة" (2/ 669، ط. مكتبة الرياض): [قال مالك رحمه الله: إنَّ ضَعْ وَتَعَجَّلْ من الربا. مثال ذلك: رجلٌ له على آخر عشرون دينارًا إلى سنةٍ من بيعٍ أو سلف، فلما مر نصف السنة احتاج رب الدين، فسأل غريمه أن يقضيه، فأبى إلا إلى حلول الأجل، فقال له رب الدين: أعطني الآن عشرةً وأحط عنك العشرة الباقية. فهذا "ضع وتعجل"؛ وهو عند مالك وأكثر أهل العلم ربا] اهـ.

وقال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج" (3/ 165، ط. دار الكتب العلمية): [(ولو عكس) بأن صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالَّة (لَغَا) الصلح؛ لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها، والخمسة الأخرى إنما تركها في مقابلة ذلك، فإن لم يحصل الحلول لا يصح الترك، والصحة والتكسير كالحلول والتأجيل] اهـ.

وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "المبدع في شرح المقنع" (4/ 206، ط. دار الكتب العلمية): [(ولو صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا لم يصح) نقله الجماعة؛ لأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضًا عن تعجيل ما في ذمته ومع الحلول، والتأجيل لا يجوز، كما لو أعطاه عشرة حالَّة بعشرين مؤجلة، وفي "الإرشاد"، و"المبهج" رواية بالصحة، واختارها الشيخ تقي الدين؛ لبراءة الذمة هنا، وكدين الكتابة؛ جزم به الأصحاب، ونقله ابن منصور] اهـ.

وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (5/ 236، ط. دار إحياء التراث): بقوله: [(ولو صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا لم يصح) هذا المذهب، نقله الجماعة عن الإمام أحمد، وعليه جماهير الأصحاب] اهـ.

وذهب جماعةٌ إلى جَواز الوَضع والتَّعجُّل؛ وهو رِوايَة عن أحمَد، وبه قال ابن تَيميَة وابن القَيِّم، ونسبه ابن رشد المالكي لابن عباسٍ وزُفر من الحَنَفيّة؛ وعللوا ذلك بأن فيه مصلحةً للطرفين؛ فمصلحة الدائن التعجيل، ومصلحة المدين الإسقاط، والشريعة لا تمنع عقدًا فيه مصلحة للطرفين إذا انتفى عنه الغرر والجهالة، كما أنَّ الربا في هذا العقد بعيدٌ جدًّا؛ لأنه لم يطرأ على بال أحد المتعاقدين حين العقد أن الرد سوف يكون أنقص معجلًا.

قال الشيخ ابن تَيميَة في "الفتاوى الكبرى" (5/ 396، ط. دار الكتب العلمية): [ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالًّا، وهو رواية عن أحمد، وحكي قولًا للشافعي] اهـ.

وقال العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (3/ 278، ط. دار الكتب العلمية): [وإن كان الدين مؤجلًا.. وتارة يصالحه ببعضه حالًّا مع الإقرار والإنكار، فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضًا: أحدها: أنه لا يصح مطلقًا، وهو المشهور عن مالك؛ لأنه يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالًّا، وهو عين الربا، وفي الإنكار- المدعي يقول: هذه المائة الحالَّة عوض عن مائتين مؤجلة، وذلك لا يجوز، وهذا قول ابن عمر رضي الله عنهما. والقول الثاني: أنه يجوز، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره، واختاره شيخنا؛ لأن هذا عكس الربا؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفًا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تربي وإما أن تقضي. وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة. فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح] اهـ.

قال الإمام ابن رشد المالكي في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" (3/ 162، ط. دار الحديث): [أما "ضع وتعجل": فأجازه ابن عباس من الصحابة وزفر من فقهاء الأمصار، ومنعه جماعة منهم ابن عمر من الصحابة، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة من فقهاء الأمصار، واختلف قول الشافعي في ذلك.. وعمدة من لم يجز ضع وتعجل: أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان مقدارًا من الثمن بدلًا منه في الموضعين جميعًا، وذلك أنه هنالك لما زاد له في الزمان زاد له عرضه ثمنًا، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته ثمنًا] اهـ.

واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام البخاري في "صحيحه" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَد دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى «يَا كَعْبُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أي الشَّطْرَ. قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ».

قال العلامة ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 106، ط. مكتبة الرشد): [القضاء بالصالح إذا رآه السلطان صلاحًا ولم يشاور الموضوع عنه إن كان يقبل الوضيعة أم لا. وفيه: الحكم عليه بالصالح إذا كان فيه رشده وصلاح له] اهـ.

وبما رواه الإمام مالك في "الموطأ" عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: لَمَّا أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِنَا، وَلَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا».

وبناءً على ذلك: فلا مانع أن يتعجل الدائن دَيْنَه ويَضَعَ عن المدين بعضَهُ؛ لأن فيه مصلحة للطرفين، والشريعةُ لا تمنع عقدًا فيه مصلحة للطرفين إذا انتفى عنه الغرر والضرر والجهالة والربا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

المصدر: دار الإفتاء المصرية